الغزالي

59

الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل

حيث هو إنسان ، متى وجدت في شيء ، أوجبت لذلك الشيء حقيقة الإنسانية ، ونفت عنه صدق ما يغايرها ، وإلّا لم تكن ثابتة له من حيث هو إنسان ، وقد فرضناها كذلك ، هذا خلف ! ثم لو كانت إلها « 1 » كاملا ، لثبت لها أوصاف الإله الكامل ، ومن أوصاف الإله الكامل أن لا يكون مركّبا منه ومن الإنسان ، لأنه يلزم أن / تكون ذات الإله محتاجة إلى الإنسان في الوجود ، ومسبوقة به ، وبنفسها أيضا . إن طائفة لم تتفطّن لمثل هذا الخطأ الواضح ، فصوابهم عنقاء مغرب « 2 » . فإن قيل : إنما يلزم ذلك ، إذا جعلناها موصوفة بجميع ما يجب للإله من الصفات وغيرها ، وكذلك القول في الناسوت ، من حيث هو حقيقة . أما إذا أجرينا على كل من اللّاهوت والناسوت جميع أحكامه وصفاته التي كانت ثابتة له قبل التركيب ، فلم قلتم : إن ذلك ممتنع ؟ فالجواب / : أن اعتبار أحكام جميع ما يجب لكل واحد منهما من حيث هو إله وإنسان إن اعتبرت ، لا بقيد التركيب أن يكون للحقيقة الثالثة اعتباران ، إذ يكون ذلك حكما على المفرد ، بقيد كونه مفردا . وإن اعتبرت بقيد التركيب ، استحال بقاء جميعها بعد التركيب ، إذ لو بقي جميع ما يجب لكل واحد من المفردين ، من حيث هو كذلك بعد التركيب ، ثابتا لهما ؛ للزم أن يكون ثابتا للحقيقة المفردة ، وحينئذ يلزم المحال المذكور ؛ وهو أن تكون الحقيقة الثالثة نفس / اللّاهوت ، ونفس الناسوت ، لاشتراكها معهما في جميع ما يجب لكل واحد منهما بقيد « 3 » التركيب أو منفكا عنه . هذه مباحثة من دقيق النظر ، فلنتفهّم . وجاهلهم المركب يعتقد أن الخلاص من هذه الفادحة هيّن ، فيظن أنه ينجو من هذه المضايق بأمثلة / لا تفيده عين المسألة ، فيقول : قد ثبت وصف

--> ( 1 ) كذا رسمت في الأصل والصواب رسمها هكذا : [ إلها ] . ( 2 ) هو طائر عظيم معروف الاسم مجهول الجسم لم يره أحد . والعنقاء : الداهية . انظر : « النهاية في غريب الحديث والأثر » ( 3 / 282 ) . ( 3 ) في المطبوع : [ بعيد ] .